| |
|
لقد كشفت النقوش العربية الشمالية ، تاريخاً طويلاً لحركة دائبة في منطقتنا ، ووشت بالكثير الكثير من أسرارها لاستكناه مكوناتها الثرية والطافحة بمجد العصور الممتدة إلى ما قبل القرن الثاني قبل الميلاد ، مما يحتاج إلى بحث مستفيض ووقوفْ طويل لإحصاء ومحاكمة هذا الكم الهائل من النقوش والنصوص والأثر وبما تختزله حجارتها من عوالم ظلت صفحة مطوية آلاف السنين لأجيالها الحاضرة ، ولتلك التي لم تأت بعد ، بتناغم مذهل لإتجاهاتها مشكّلة في ما بعد أعظم إسطورة بنتها تلك الأكف السمراء والأجساد النحيلة والكثير من الجوع والعطش الأمر الذي ساهم بأن ترفع دولة الأنباط العربية وتيرتها بقوة وتعمل على صون تلك المقومات لها حتى تملأ الأسماع وتغازل القلوب وتترك لنا حنيناً لا ينضب للحارث الثالث أحد ملوكها المميزين إضافة إلى ما إستطاعت هذه الدول أن تحققه من دورْ ريادي بالإبقاء على حركة التجارة المارة عبر المنطقة ضمن مستوى عالْ من الأمن في كافة مناطق نفوذها والذي إمتد في كل الأرجاء والفضاءات ، قلبها الأردن ، وأذرعتها في سيناء والحجاز وحوران وسواحل البحر المتوسط في فلسطين.
والخط المسند ، وإن اختلف في جزئيات أشكال الحروف ، فهو في جوهره واحد ، وما زال الباحثون يعيدون المسند في الشمال إلى الجنوب ، أو المسند في الجنوب إلى الشمال ، وقد تباينت آراؤهم في ذلك ، ولكنهم لم يتزحزحوا في جعل أصله واحدا. ولا مندوحة في أن الاختلاف يظل قائما في أسبقية أحد شقية الشمالي أو الجنوبي. وقد غيرت مخلفات المعينيين النقوشية والأثرية في العلا ، في الحجاز النظرة إلى أصول الخط المسند الجنوبية ، فها هو الألماني جريمة يعيد أصول المسند إلى موطن الكنعانيين في بلاد الشام ، وإلى تأثر العرب الثموديين بالكنعانيين ، وعرب شبه جزيرة سيناء ، ومنهم انتقل من الشمال إلى الجنوب. ويبقى ما ذهب إليه فرضا يفتقر إلى الدلائل المادية المعمقة ، وبقي الأمر قلقا ومتأرجحا بين هنا وهناك إلى يومنا هذا. ولسنا نرغب في تغلييب أحد الفرضين على الآخر ، وسوف نسوق ما ذهب إليه وينت ، ومن بعده ماكدونالد ، من تقسيمات للخط الثمودي. فقد قسم وينت الثمودية حسب جغرافية تواجد النقوش إلى خمسة أقسام ، وهي: الثمودية A, B, C, D, E ، وجاء هذا التقسيم وفق أشكال الحروف ، وبدايات النقوش ، وجغرافيتها. وجعل أقدمها متأثرا بالديدانية ، وهو فرض مقبول ، إذ كان الثموديون قد عايشوا اللحيانيين ، ورثة مملكة ديدان وسط وشمال جزيرة العرب ، خلال مراحلهم الأولى. ويعد تقسيم الكتابات التي وجدت في الجزيرة العربية قبل الإسلام إشكالية ، فقد كان الطرح القديم يقسمها إلى ثلاثة أقسام: العربية الشمالية ، بفروعها الثلاثة: الصفوية ، والثمودية ، واللحيانية ، والقسم الثاني: العربية الجنوبية: بأقسامها: السبئية ، والمعينية ، والقتبانية ، والحضرمية ، والأوسانية ، والقسم الثالث الجعزية في الحبشة. وقد أخذت الدراسات الحديثة تنتقد هذا التقسيم ، لأنه لا يعتمد على تقسيمات واضحة ، ومن هذه الدراسات: دراسة ماكدونالد ، الذي حاول أن يرسم فيها خريطة جديدة للكتابات العربية ، في شمال الجزيرة وجنوبها ، وقد اقترح تقسيما جديدا اعتمد على تحديد الموقع الجغرافي لأماكن تواجد النقوش ، ففي نقوش شمال الجزيرة ، وضع التقسيم المقترح التالي: - التيمائية مقابل الاسم القديم الثمودية A تيماء من مواطن قبائل ثمود ، والذين امتدت بهم الجغرافيا على طول شمال غرب جزيرة العرب. ونتساءل عن الثموديين أصحاب النقوش ، ومدى علاقتهم بثمود الذين ذكرهم القرآن الكريم ، الذين جابوا الصخر بالواد ، وسكنوا الجبال ، وكانوا بطبيعة الحال وثنيين ، فأرسل الله تعالى نبيه صالحا ، عليه السلام ، فعصوه ، فبادت هذه القبيلة ، ولم يعد من آثارها أثرا ، وفق إشارات القرآن الكريم. وهذه إجابة صريحة على بطلان العلاقة بين ثمود النقوش وثمود الذين بادوا. - الديدانية مقابل الاسم القديم الديدانية والحيانية يوضح القدرة ، وغيره ممن اشغلهم فهم النقوش اللحيانية ، ضرورة عدم فصل النقوش اللحيانية عن النقوش الديدانية ، وذلك للتشابه الكبير في الألفاظ والخط ووجودهما في ذات المنطقة ، بالإضافة إلى التقارب الزمني فيما بينها. وبيان حقيقة أن اللغة اللحيانية هي أقرب اللهجات العربية الشمالية إلى اللغة العربية ، إذ تشترك معها في كثرة ألفاظها الكاثرة. كما وتبين دراسته أن اللغة اللحيانية أغلب من غيرها من اللغات السامية الجنوبية ، في استعارة ألفاظ من اللغات السامية الأخرى: كالأكادية والفينيقية والآرامية. - الدومية مقابل نقوش الجوف ، والصفوية: وقد عاش الصفويون على امتداد البادية العربية من جنوب شرق سوريا على طول شمال شرق الأردن إلى امتدادات وادي السرحان وتشعباته جنوب شرق الأردن ، وشمال غرب السعودية ، وقد عثر على امتداد مناطق سكناهم ما ينوف على عشرين ألف نقش. وهو رقم مؤهل بالضرورة للزيادة في ضوء ما ستسفر عنه المسوحات المستقبلية. والصفويون قبائل عربية ، عثر على بواكير نقوشها في منطقة جبل العرب جنوبي سوريا ، في موقع الصفا ، والذي راق للباحثين المستشرقين تسمية النقوش باسمه ، ولا ترقى أقدم النقوش الصفوية وفق جمهرة الباحثين على القرن الثالث قيل الميلاد ، ولم تعش هذه النقوش إلى ما بعد نهايات القرن الميلادي الثالث على أحسن الفروضات. ولم يقتصر انتشار القبائل الصفوية ، كما يتضح من مناطق انتشار نقوشهم ، على البوادي آنفة الذكر ، بل وجدت نقوشهم إلى الشمال الغربي من تدمر في سوريا ، ووصلت غربا في المناطق الداخلية لتصل إلى صور وصيدا في لبنان. أشتق الخط الصفوي ، والذي يضم ثمانية وعشرين حرفا ، من الخط العربي الجنوبي المسند. ولكنه أكثر ليونة ، حروفه غير مزواة ، وأشكالها متعددة ومختلفة نسبيا باختلاف الحجر والنقاش وأداة النقش. ولا يوجد اتجاه واحد للكتابة في النقوش الصفوية ، فربما بدأ من اليمين إلى اليسار ، وربما بدأ من اليسار إلى اليمين ، أو من الأعلى إلى الأسفل ، وربما كتب وفق الطريقة الحلزونية ، أو طريقة المحراث ، أي يبدأ السطر من حيث ينتهي سابقه ، ولا يدلنا على موضع بداية النقش سوى حرف اللام الذي جعلوه مبتدأ لنصوصهم. وهي نصوص نمطية بالمجمل ، تراحت موضوعاتها بين الدعائية والتذكارية ، والتشوق ، والرثاء والتحسر والحزن ، وبعضها يشير إلى الملكية ، وهي نصوص ذاتية بالمجمل ، نستنطق من مجملها معلومات تاريخية ذات بال. - الحسمائية وهي التي كانت تعرف باسماء مثل (الثمودية E والتبوكي الثمودي والصفوي الجنوبي) ، جاءت الأنماط الكتابية في النقوش الحسمائية متنوعة ، فمنها ما جاء مخدوشا خدشا على سطح الحجر الرملي بواسطة رأس مدبب ، ومنها ما جاء مطروقاً طرقاً متتابعاً ، فجاءت حروفه أكثر سماكة ، وجاء بعضها بالخط المربع ، حيث تستقيم فيه الخطوط وتتضح الزوايا ، وجاء نمط الخط السميك ، ذو السطح الهش فيما بينها كثيرا. وتنسجم أنماط الخطوط في هذه المرحلة مع النمط الذي يسميه العلماء الثمودي التبوكي ، والذي ساد في المنطقة ، ما بين القرن الثاني قبل الميلاد ويستمر حتى القرن الرابع الميلادي. لقد جاءت بعض النقوش من حيث الوجهة أفقية ، أو عامودية ، بينما جاء بعضها دائرياً ، وفق الطريقة الحلزونية. |
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الجمعة، 14 أكتوبر 2011
[جريدة الدستور / النص والصورة :- رحلة النقوش العربية .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق